محمد بن إسماعيل الكحلاني الصنعاني ( الأمير )
47
سبل السلام
لا حق لهم فيهما إلا أن يحضروا الجهاد ، وإليه ذهب الشافعي ، وذهب غيره إلى خلافه وادعوا نسخ الحديث ولم يأتوا ببرهان على نسخه . المسألة الثانية : في الحديث دليل على أن الجزية تؤخذ من كل كافر كتابي أو غير كتابي عربي أو غير عربي لقوله عدوك وهو عام ، وإلى هذا ذهب مالك والأوزاعي وغيرهما . وذهب الشافعي : إلى أنها لا تقبل الا من أهل الكتاب والمجوس عربا كانوا أو عجما لقوله تعالى : * ( حتى يعطوا الجزية ) * بعد ذكر أهل الكتاب ولقوله صلى الله تعالى عليه وسلم : سنوا بهم سنة أهل الكتاب وما عداهم داخلون في عموم قوله تعالى : * ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) * وقوله : * ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) * . واعتذروا عن الحديث بأنه وارد قبل فتح مكة بدليل الامر بالتحول والهجرة ، والآيات بعد الهجرة ، فحديث بريدة منسوخ أو متأول بأن المراد بعدوك من كان من أهل الكتاب . قلت : والذي يظهر عموم أخذ الجزية من كل كافر لعموم حديث بريدة . وأما الآية فأفادت أخذ الجزية من أهل الكتاب ، ولم تتعرض لاخذها من غيرهم ولا لعدم أخذها ، والحديث بين أخذها من غيرهم . وحمل عدوك على أهل الكتاب في غاية البعد ، وإن قال ابن كثير في الارشاد : إن آية الجزية إنما نزلت بعد انقضاء حرب المشركين وعبدة الأوثان ولم يبق بعد نزولها إلا أهل الكتاب ، قاله تقوية لمذهب إمامه الشافعي ، ولا يخفى بطلان دعواه : بأنه لم يبق بعد نزول آية الجزية إلا أهل الكتاب ، بل بقي عباد النيران من أهل فارس وغيرهم ، وعباد الأصنام من أهل الهند ، وأما عدم أخذها من العرب فلأنها لم تشرع إلا بعد الفتح ، وقد دخل العرب في الاسلام ، ولم يبق منهم محارب فلم يبق فيهم بعد الفتح من يسبي ، ولا من تضرب عليه الجزية ، بل من خرج بعد ذلك عن الاسلام منهم فليس إلا السيف أو الاسلام كما أن ذلك الحكم في أهل الردة ، وقد سبى صلى الله عليه وسلم قبل ذلك من العرب بني المصطلق وهوازن ، وهل حديث الاستبراء إلا في سبايا أوطاس ؟ . واستمر هذا الحكم بعد عصره صلى الله عليه وسلم ففتحت الصحابة رضي الله عنهم بلاد فارس والروم ، وفي رعاياهم العرب خصوصا الشام والعراق ولم يبحثوا عن عربي من عجمي بل عمموا حكم السبي والجزية على جميع من استولوا عليه . وبهذا يعرف أن حديث بريدة كان بعد نزول فرض الجزية وفرضها كان بعد الفتح فكان فرضها في السنة الثانية عند نزول سور براءة ، ولذا نهى فيه عن المثلة ولم ينزل النهي عنها إلا بعد أحد . وإلى هذا المعنى جنح ابن القيم في الهدي ولا يخفى قوته . المسألة الثالثة : تضمن الحديث النهي عن إجابة العدو إلى أن يجعل لهم الأمير ذمة الله وذمة رسوله بل يجعل لهم ذمته ، وقد علله بأن الأمير ومن معه إذا أخفروا ذمتهم أي : نقضوا عهدهم ، فهو أهون عند الله من أن يخفروا ذمته تعالى ، وإن كان نقض الذمة محرما مطلقا . قيل : وهذا النهي للتنزيه لا للتحريم ، ولكن الأصل فيه التحريم ، ودعوى الاجماع على أنه للتنزيه لا تتم . وكذلك تضمن النهي عن إنزالهم على حكم الله ، وعلله : بأنه لا يدري أيصيب فيهم حكم الله أم لا ، فلا ينزلهم على شئ لا يدري أيقع أم لا ؟ بل ينزلهم